ثم أخبر عن نيل البر وإنه من إنفاق ما أحب إلى البر بقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] ، إشارة في الآية: إنكم {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ} [آل عمران: 92] ، والبار هو صفته، {حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ؛ أي: من أنفسكم؛ وهي أحب الأشياء إلى الخلق، {وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] ؛ يعني: أنفسكم في الله {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] ، فبقدر ما تكونون له يكون لكم، كما قال:"من كان لله كان الله له"، إن الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلة حتى أنفق مما أحبه؛ وهو نفسه، فافهم جيداً.
ثم أخبر عما كان حلالاً من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] ، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أصناف:
صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة.
وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة.
وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف: