والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق المنشأة من المحبة القديمة في سر"كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف"، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] ، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبراً عن محبته الأزلية لهم: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلاً، فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة.
قال بعضهم: غُذِينَا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .