أما درجات محبة المحب:
فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله صلى الله عليه وسلم:"جبلت القلوب على حب من أحسن إليها"، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ وهم يطمعون أجراً على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر:
ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب ... وما أنا بالباغي على الحب رشوة
والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاماً وإجلالاً له؛ لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية:
أحبك حبين حب الهوى ... وحباً لأنك أهل لذاكا
وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلباً بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجاً بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه على تعبده إجلالاً وإعظاماً، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام وإجلال.