"الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، فالأرواح تلاقي بعضها بعضاً عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك التناكر {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63] ، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] ، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله تعالى: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19] ، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد.