الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ يَعْنِي: لَهُمْ عِوَضُ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا، وَثَوَابُ طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ فِيمَا أَطَاعُوهُ فِيهِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَعْنِي: مَذْخَوُرٌ ذَلِكَ لَهُمْ لَدَيْهِ، حَتَّى يَصِيرُوا إِلَيْهِ فِي الْقِيَامَةِ، فَيُوَفِّيَهُمْ ذَلِكَ {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} وَسُرْعَةُ حِسَابِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، وَبَعْدَ مَا عَمِلُوهَا، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى إِحْصَاءِ عَدَدِ ذَلِكَ، فَيَقَعُ فِي الْإِحْصَاءِ إِبْطَاءٌ، فَلِذَلِكَ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ، وَصَابِرُوا الْكُفَّارَ وَرَابِطُوهُمْ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «أَمَرَهُمْ أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَدَعُوهُ لِشِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ، وَلَا سَرَّاءَ وَلَا ضَرَّاءَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَابِرُوا الْكُفَّارَ، وَأَنْ يُرَابِطُوا الْمُشْرِكِينَ»
وعَنْ قَتَادَةَ، «أَيِ اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَصَابِرُوا أَهْلَ الضَّلَالَةِ، وَرَابِطُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ، وَصَابِرُوا وَعْدِي إِيَّاكُمْ عَلَى طَاعَتِكُمْ لِي، وَرَابِطُوا أَعْدَاءَكُمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ، وَصَابِرُوا عَدُوَّكُمْ وَرَابِطُوهُمْ