قِيلَ: ذَلِكَ خَبَرٌ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَا شَكَّ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِمَا قُلْنَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ بِخِلَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ جَابِرًا وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ إِنَّمَا قَالُوا: نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ، وَقَدْ تَنْزِلُ الْآيَةُ فِي الشَّيْءِ ثُمَّ يُعَمُّ بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ، فَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ جَعَلَ الْحُكْمَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ لِلنَّجَاشِيِّ حُكْمًا لِجَمِيعِ عِبَادِهِ الَّذِينَ هُمْ بِصِفَةِ النَّجَاشِيِّ فِي اتِّبَاعِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَعْدَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ اتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ: التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، فَيُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، يَقُولُ: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِهِ وَوَحْيِهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، يَعْنِي: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْكُتُبِ، وَذَلِكَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ، خَاشِعِينَ لِلَّهِ، يَعْنِي: خَاضِعِينَ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، مُسْتَكِينِينَ لَهُ بِهَا مُتَذَلِّلِينَ.
وَنُصِبَ قَوْلُهُ: {خَاشِعِينَ لِلَّهِ} عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: {لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} وَهُوَ حَالٌ مِمَّا فِي {يُؤْمِنُ} مِنْ ذِكْرِ «مِنْ» .
{لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}
يَقُولُ: لَا يُحَرِّفُونَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِ مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُبَدِّلُونَهُ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَحُجَجِهِ فِيهِ، لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا خَسِيسٍ، يُعْطُونَهُ عَلَى ذَلِكَ التَّبْدِيلَ، وَابْتِغَاءَ الرِّيَاسَةِ عَلَى الْجُهَّالِ، وَلَكِنْ يَنْقَادُونَ لِلْحَقِّ، فَيَعْمَلُونَ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فِيمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ كُتُبِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا، وَيُؤْثِرُونَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَوَى أَنْفُسِهِمْ.