وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ أَعْدُوَهَا إِحْدَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ، وَهِيَ: {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} بِالتَّخْفِيفِ، أَوْ (وَقُتِلُوا) بِالتَّخْفِيفِ (وَقَاتَلُوا) لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمَنْقُولَةُ نَقْلَ وِرَاثَةٍ، وَمَا عَدَاهُمَا فَشَاذٌّ، وَبِأَيِّ هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ الَّتِي ذَكَرْتُ أَنِّي لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ أَعْدُوَهُمَا قَرَأَ قَارِئٌ فَمُصِيبٌ فِي ذَلِكَ الصَّوَابَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي قُرَّاءِ الْإِسْلَامِ مَعَ اتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَلَا يَغُرَّنَّكَ يَا مُحَمَّدُ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، يَعْنِي: تَصَرَّفَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَضَرْبَهُمْ فِيهَا
فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الِاغْتِرَارِ بِضَرْبِهِمْ فِي الْبِلَادِ، وَإِمْهَالِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مَعَ شِرْكِهِمْ وَجُحُودِهِمْ نِعَمَهُ، وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ، وَخَرَجَ الْخِطَابُ بِذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَأَصْحَابِهِ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَلَكِنْ كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ صَادِعًا، وَإِلَى الْحَقِّ دَاعِيًا.
عَنْ قَتَادَةَ، «وَاللَّهُ مَا غَرُّوا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَا وَكَلَ إِلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ تَقَلُّبَهُمْ فِي الْبِلَادِ وَتَصَرُّفَهُمْ فِيهَا مُتْعَةٌ يُمَتَّعُونَ بِهَا قَلِيلًا، حَتَّى يَبْلُغُوا آجَالَهُمْ، فَتَخْتَرِمَهُمْ مَنِيَّاتُهُمْ، ثَمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، وَالْمَأْوَى الْمَصِيرُ الَّذِي يَأْوونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَصِيرِونَ فِيهِ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} وَبِئْسَ الْفِرَاشُ وَالْمَضْجَعُ جَهَنَّمُ.