إذا تأملت هذا الاختلاف تبين لك وجه أوفقية سنة المجتمع الغربي لمذاق الجامعة البشرية دون سنة المجتمع الديني غير أنه يجب أن يتذكر أن سنة المدنية الغربية وحدها ليست هي الموافقة لطباع الناس حتى تترجح بذلك وحدها بل جميع السنن المعمولة الدائرة فِي الدنيا بين أهلها من أقدم أعصار الإنسانية إلى عصرنا هذا من سنن البداوة والحضارة تشترك فِي أن الناس يرجحونها على الدين الداعي إلى الحق فِي أول ما يعرض عليهم لخضوعهم للوثنية المادية.
ولو تأملت حق التأمل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلفة من سنن الوثنية الأولى غير أنها تحولت من حال الفردية إلى حال الاجتماع ومن مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقة الفنية.
والذي ذكرناه من بناء السنة الإسلامية على اتباع الحق دون موافقة الطبع من أوضح الواضحات فِي بيانات القرآن قال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق: التوبة - 33 وقال تعالى {والله يقضي بالحق: المؤمن - 20} وقال فِي وصف المؤمنين {وتواصوا بالحق: العصر - 3} وقال {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون: الزخرف - 78} فاعترف بأن الحق لا يوافق طباع الأكثرين وأهواءهم ثم رد لزوم موافقة أهواء الأكثرية بأنه يؤول إلى الفساد فقال بل جاءهم بالحق
وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون: المؤمنون - 71
ولقد صدق جريان الحوادث وتراكم الفساد يوما فيوما ما بينه تعالى فِي هذه الآية وقال تعالى {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون: يونس - 32}
والآيات فِي هذا المعنى وما يقرب منه كثيرة جدا وإن شئت زيادة تبصر فيه فراجع سورة يونس فقد كرر فيه ذكر الحق بضعا وعشرين مرة.