وخاصة الاجتماع بتمام أنواعها المنزلى وغيره وإن لم تفارق الإنسانية فِي هذه الأدوار ولو برهة إلا أنها كانت غير مشعور بها للإنسان تفصيلا بل كانت تعيش وتنمو بتبع الخواص الأخرى المعنى بها للإنسان كالاستخدام والدفاع ونحو ذلك.
والقرآن الكريم يخبر أن أول ما نبه الإنسان بالاجتماع تفصيلا واعتنى بحفظه استقلالا نبهته به النبوة قال تعالى {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا: يونس - 19} وقال {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه: البقرة - 213} حيث ينبئ أن الإنسان فِي أقدم عهوده كان أمة واحدة ساذجة لا اختلاف بينهم حتى ظهرت الاختلافات وبانت المشاجرات فبعث الله الأنبياء وأنزل معهم الكتاب ليرفع به الاختلاف ويردهم إلى وحدة الاجتماع محفوظة بالقوانين المشرعة.
وقال تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه: الشورى - 13} فأنبأ أن رفع الاختلاف من بين الناس وإيجاد الاتحاد فِي كلمتهم إنما كان فِي صورة الدعوة إلى إقامة الدين وعدم التفرق فيه فالدين كان يضمن اجتماعهم الصالح.
والآية كما ترى تحكي هذه الدعوة دعوة الاجتماع والاتحاد عن نوح (عليه السلام) وهو أقدم الأنبياء أولى الشريعة والكتاب ثم عن إبراهيم ثم عن موسى ثم عيسى (عليهم السلام)
وقد كان فِي شريعة نوح وإبراهيم النزر اليسير من الأحكام وأوسع هؤلاء الأربعة شريعة موسى وتتبعه شريعة عيسى على ما يخبر به القرآن وهو ظاهر الأناجيل وليس فِي شريعة موسى على ما قيل إلا ستمائة حكم تقريبا.
فلم تبدء الدعوة إلى الاجتماع دعوة مستقلة صريحة إلا من ناحية النبوة فِي قالب الدين كما يصرح به القرآن والتاريخ يصدقه على ما سيجئ.