وَقِيلَ: مَنْ بَلَغَ غَايَةَ مَا يُحِبُّ فَلْيَتَوَقَّعْ غَايَةَ مَا يَكْرَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ نَائِبَةٍ إلَى انْقِضَاءٍ حَسُنَ عَزَاؤُهُ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ.
وَقِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَيْفَ تَرَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: شَغَلَنِي تَوَقُّعُ بَلَائِهَا عَنْ الْفَرَحِ بِرَخَائِهَا. فَأَخَذَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فَقَالَ:
تَزِيدُهُ الْأَيَّامُ إنْ أَقْبَلَتْ ... شِدَّةَ خَوْفٍ لِتَصَارِيفِهَا
كَأَنَّهَا فِي حَالِ إسْعَافِهَا ... تُسْمِعْهُ وَقْعَ تَخْوِيفِهَا
وَمِنْهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ سُرُورَهُ مَقْرُونٌ بِمُسَاءَةِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ حُزْنُهُ مَقْرُونٌ بِسُرُورِ غَيْرِهِ. إذْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَنْقُلُ مِنْ صَاحِبٍ إلَى صَاحِبٍ، وَتَصِلُ صَاحِبًا بِفِرَاقِ صَاحِبٍ. فَتَكُونُ سُرُورًا لِمَنْ وَصَلَتْهُ وَحُزْنًا لِمَنْ فَارَقَتْهُ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا قَرَعْت عَصَا عَلَى عَصَا إلَّا فَرِحَ لَهَا قَوْمٌ وَحَزِنَ آخَرُونَ» .
وَقَالَ الْبُحْتُرِيُّ:
مَتَى أَرَتْ الدُّنْيَا نَبَاهَةَ خَامِلٍ ... فَلَا تَرْتَقِبْ إلَّا خُمُولَ نَبِيهِ
وَقَالَ الْمُتَنَبِّي:
بِذَا قَضَتْ الْأَيَّامُ مَا بَيْنَ أَهْلِهَا ... مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ
وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ:
أَلَا إنَّمَا الدُّنْيَا غَضَارَةُ أَيْكَةٍ ... إذَا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ
فَلَا تَفْرَحَنَّ مِنْهَا لِشَيْءٍ تُفِيدُهُ ... سَيَذْهَبُ يَوْمًا مِثْلَ مَا أَنْتَ ذَاهِبُ
وَمَا هَذِهِ الْأَيَّامُ إلَّا فَجَائِعٌ ... وَمَا الْعَيْشُ وَاللَّذَّاتُ إلَّا مَصَائِبُ
وَمِنْهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ طَوَارِقَ الْإِنْسَانِ مِنْ دَلَائِلِ فَضْلِهِ، وَمِحَنَهُ مِنْ شَوَاهِدِ نُبْلِهِ. وَلِذَلِكَ إحْدَى عِلَّتَيْنِ: إمَّا؛ لِأَنَّ الْكَمَالَ مُعْوِزٌ وَالنَّقْصُ لَازِمٌ، فَإِذَا تَوَاتَرَ الْفَضْلُ عَلَيْهِ صَارَ النَّقْصُ فِيمَا سِوَاهُ.
وَقَدْ قِيلَ: مَنْ زَادَ فِي عَقْلِهِ نَقَصَ مِنْ رِزْقِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا انْتَقَصَتْ جَارِحَةٌ مِنْ إنْسَانٍ إلَّا كَانَتْ ذَكَاءً فِي عَقْلِهِ» .