وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن ؛ هذه الآية فِي انتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة ، ولم يكن فِي زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غَزْوٌ يُرابط فيه ؛ رواه الحاكم أبو عبد الله فِي صحيحه.
واحتج أبو سلمة بقوله عليه السَّلام:"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخُطا إلى المساجد وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة فذلكم الرباط"ثلاثاً ؛ رواه مالك.
قال ابن عطية ؛ والقول الصحيح هو أن الرباط (هو) الملازمة فِي سبيل الله.
أصلها من ربط الخيل ، ثم سُمِّي كل ملازم لِثغَرْ من ثُغُور الإسلام مرابطاً ، فارِساً كان أو راجلاً.
واللفظ مأخوذ من الربط.
وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم"فذلكم الرّباط"إنما هو تَشْبِيهٌ بالرباط فِي سبيل الله.
والرّباط اللغويّ هو الأول ؛ وهذا كقوله:"ليس الشديد بالصُّرَعة"وقوله:"ليس المسكين بهذا الطواف"إلى غير ذلك.
قلت: قوله:"والرباط اللغوي هو الأوّل"ليس بمسلّم ، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمّة اللغة وثقاتها قد قال: الرِّبَاط ملازمة الثغور ، ومواظبة الصَّلاة أيضًا ، فقد حصل أن انتظار الصَّلاة رِباط لغويّ حقيقة ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.
وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يُقال: ماءٌ مترابطٌ أي دائم لا يَنْزَحُ ؛ حكاه ابن فارس ، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه.
فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل ، فيعود إلى ما كان صبر عنه ، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة.
ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل فِي سبيل الله كما نص عليه فِي التنزيل فِي قوله: {وَمِن رِّبَاطِ الخيل} على ما يأتي.