مثال ذلك: عندما تقول: فلان نافس فلانا. والمنافسة تكون بين اثنين يحتاجان ويقصدان غاية ، وكل واحد يريد أن يصل إليها ، والذي يريد أن يصل إليها يريد أن يصل بحرص ، فإن كان معاندك يحرص عليها بخطوة فاحرص عليها أنت بخطوتين ، هذه هي المنافسة ؛ فالمنافسة مغالبة على الفوز ، والحق يقول:
{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] والأصل فيها هو: إطالة النفس حين يغطس الإنسان فِي الماء ، وسيدنا عمر - رضي الله عنه - قال للعباس - رضي الله عنه -: أتنافسني ؟ أي عرض عليه أن ينزلا معا تحت الماء ، ويرى مَن منهما أطول نفسا.
إذن فالفطن الكيّس هو من يتمرس على هذا العمل ولا ينزل إلى الماء فِي نفس متردد ، بل يأخذ كمية من الهواء بشهيق يتسع له تجويف صدره كله ليكون عنده حصيلة يستطيع بها أن يمكث فِي الماء أطول مدة من الثاني ، أما الذي يغطس وليس عنده هذه الحصيلة ، فسيأخذ مقدار شهيق وزفير فقط"فنافسني"تعني أن نغطس فِي الماء معا لنرى من منا أطول نفسا. أي أنه قادر على أن يحتفظ بكمية من الهواء تستطيع أن تؤدي وظيفة حياته مدة طويلة ، ولا يمكن أن يتأتى هذا إلا إذا أخذت شهيقاً يملأ الصدر حتى إنك لا تقدر أن تزيد ، ولذلك فالطبيب عندما يريد أن يفحص حالة الرئة يقول للمريض: خذ نفساً طويلاً ، لأنه يريد أن يرى المريض وقدرته.
إذن فالمصابرة تعني إن كان خصمك يصابرك فأنت تصبر وهو يصبر ، فتصبر أنت أكثر ، ولهذا تحتاج المسألة إلى أن يتكاتف المجتمع كله على المصابرة ، ولذلك جاء قول الحق سبحانه وتعالى:
{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .