المتاعِ الشيء الذي يجعل الانتفاع به ولا يبقى طويلا، من ذلك قوله، تعالى: (ومَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) ، وهي هنا خبر لمبتدأ محذوف دل عليه الكلام الذي قبله، والمعنى أن تقلبهم وتصرفهم في البلاد متاع قليل، فهو انتفاع عاجل ومقداره قليل، ثم تعقبه بعد ذلك حسرات، ولذلك ذكر ما يعقبه فقال: (ثُمَّ مَأوَاهمْ جَهَنَّم) العطف بـ"ثم"ليس للدلالة على التراخي الزمني فقط، بل للدلالة على تفاوت ما بين حالهم في الدنيا، وما يكونون عليه في الآخرة، والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الشخص ليستقر فيه ويطمئن، فكان استقرارهم هو جهنم، وهي اسم لنيران يوم القيامة، والمهاد هو المكان الممهد والفراش اللين، ويكون التعبير عن مآلهم بالمهاد من قبيل التهكم. ويصح أن يقال إنهم هم الذين مهدوه لأنفسهم، ويكون المعنى بئس الذي مهدوا به لأنفسهم، أي أنهم بأعمالهم في الدنيا قد مهدوا لأنفسهم فراشا من اللظى والجحيم وبئس هذا المهاد.
وفى هذا تعزية للمؤمنين أبلغ تعزية، وقد روى الترمذي أن رسول الله قال:
"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع".
(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ...(198)
الاستدراك هنا بـ"لكن"للمقابلة بين المتقين الأبرار والمشركين الفجار بالنسبة للمآل، فالكفار مآلهم جهنم ومتاعهم دنيوي قليل، والمتقون لربهم المدركون لمعنى الربوبية الشاكرون لنعمته مآلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وليست مدتها قليلة، بل لهم فيها الخلود، فالنعيم كثير والزمن طويل، بينما الآخرون نعيمهم ضئيل قصير، وعذابهم دائم كثير.
(نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ للأَبْرَارِ) "النُّزُل"ما يعد للضيف لإكرامه والحفاوة به، ونصب (نزلا) على التمييز كما تقول كان لك هذا هبة، أي من نوع الهبة، وفي هذا بيان لمقدار عناية الرحمن الرحيم بهم، وإدخالهم مدخل صدق، وإنزالهم منزلا مباركا، وقد بين العطاء الروحي بعد العطاء المادي، فقال سبحانه: