وَحَاصِلُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الْغُرُورِ: أَنَّ تَقَلُّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ آمِنِينَ مُعْتَزِّينَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِغُرُورِ الْمُؤْمِنِ بِحَالِهِمْ ، وَتَوَهُّمِهِ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَدُومُ لَهُمْ ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ إِبْقَاءِ
الْأَشْيَاءِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ أَسْبَابِهَا ، وَعِلَلِهَا ، وَالْغَوْصِ عَلَى بُطُونِهَا ، وَدَخَائِلِهَا ، كَمَا يُطْوَى الثَّوْبُ عَلَى غَرِّهِ ، وَكَمَا يَنْظُرُ الْغِرُّ إِلَى ظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَوَاطِنِهَا . وَمَنِ اكْتَنَهَ حَالَهُمْ الِاجْتِمَاعِيَّةَ عَلِمَ أَنَّ تَقَلُّبَهُمْ فِي الْبِلَادِ وَتَمَتُّعَهُمْ بِالْأَمْنِ ، وَالنِّعْمَةِ فِيهَا لَيْسَ قَائِمًا عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ ، وَلَا مَرْفُوعًا عَلَى رُكْنٍ رَكِينٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ حَرَكَةِ الِاسْتِمْرَارِ لِمُحَرِّكٍ مِنَ الْبَاطِلِ سَابِقٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ ، فَإِذَا عَارَضَهُ مَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْحَقِّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَزُولَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَجْمُوعِهِمْ ، وَأَمَّا مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَفْرَادِهِمْ عَلَى فِرَاشِ نَعِيمِهِ ، وَلَمْ يُنْسَأْ لَهُ فِي أَجْلِهِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ مِمَّا نَالَهُ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا ، وَالنَّتِيجَةُ أَنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ أَيْ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ فِي الْبِلَادِ الَّذِي يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مَتَاعٌ