كان دوام الذكر أهم وأسنى وإنما الفكر طريقا إليها وصف الله سبحانه أولى الألباب اولا بدوام الذكر وبعد ذلك بالتفكر الموصل إلى علم هو كالظل له حيث قال الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ يعنى يديمون الذكر في جميع الأحوال وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ - وأيضا في تقديم الذكر على الفكر تنبيه بان العقل غير مستقل بافادة الأحكام الحقة ما لم يستضئ بنور الذكر والهداية من الله سبحانه رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا على ارادة القول أي يتفكرون قائلين ذلك - والباطل ضد الحق كذا في القاموس والحق قد يطلق على موجود متاصل الوجود لا يحتاج في تحققه ووجوده ولا في شئ من الأشياء إلى غيره وهو الله سبحانه وقد يطلق على موجود في الخارج بلا نحت الوهم والخيال وان كان مقتبسا تحققه من الوجود الحق - وقد يطلق على موجود يشتمل وجوده على حكم ومصالح لا يكون عبثا ضائعا من غير حكمة ذاهبا بلا فائدة يترتب عليه - والباطل ضد الحق على المعاني كلها فباعتبار المعنى الأول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا احسن القول قول لبيد كل شئ ما خلا الله باطل وجاز اعتبار المعنى الثاني في البيت يعنى كل معبود ما خلا الله باطل الحقيقة له منحوت للوهم والخيال وباعتبار المعنى الثالث اطلق الباطل على الشيطان قال الله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ والباطل هاهنا ان كان بالمعنى الثاني فمعنى الآية ما قال أهل الحق أساسا للاستدلال على الصانع (خلافا للسوفسطائية) ان حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق - وان كان بالمعنى الثالث فالمعنى ما خلقت الخلق عبثا بل لحكمة عظيمة دليلا على معرفتك باعثا على شكرك وطاعتك - وهذا إشارة إلى السماوات والأرض وتذكيره بارادة المتفكر فيه أو لأنهما في معنى المخلوق أو إلى الخلق على انه أريد به المخلوق من السماوات والأرض أو أريد به التخليق وجاز ان يراد به التفكر في خلق كل جزء من اجزائها فهذا إشارة إلى هذا الجزء - وباطلا منصوب على الحالية من هذا وجاز أن يكون باطلا بمعنى هازلا حالا من فاعل خلقت فعلى هذا قوله تعالى سُبْحانَكَ