إن قيل: ما فائدة قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ها هنا ؟
قيل: الحساب إشارة إلى الثواب المجعول لهم فِي مقابلة فعلهم.
وسقاه حساباً لقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)
وبيّن بقوله: سريع الحساب أن ذلك لا يتأخر عنهم.
لما كانت النفس مولعة بحب العاجل.
ونبّه على أمرين: أحدهما: ما يجعل لهم فِي الدنيا المدلول عليه بقوله:
(فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) .
الثاني: أن المدعُوَّ به فِي الآخرة سريعٌ وقوعه وإن كان فِي ظنِّ الكافرين بطيئاً حصوله.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200)
الصبر أعمُّ من المصابرة ، إذ كان يقال فيما يُتصوَّر فيه فاعل واحد ، والمصابرة ، يقال فيما يُتصوَّر فيه فاعلان متقابلان.
والصبر: حبس النفس على ما يحمد ،
وعما يُذمُّ ، ولهذا قيل: هو اسم لأعم الفضائل.
وله ثلاث منازل:
إمساك الجوارح الظاهرة عن الإِقدام على ما يُكره.
وإمساك اللسان عن إظهار التألُم منه.
وإمساك القوى عن تحرُّكها بالتألُم منه.
وهذه منزلة الصدّيقين.
والمصابرة ضربان:
مصابرة العِدى ، وإليه ذهب الحسن ومجاهد فِي الآية.
ومصابرة قوى النفس فِي مدافعة الحرص والبخل والجبن وسائر الرذائل.
وهي عظماهما ، والمرابطة كذلك على ضربين:
مرابطة فِي ثغور المسلمين ، ومرابطة النفس البدن ، فإنها كمن أُقيم في
ثغر ، وفُوِّض إليه مراعاته ، فيحتاج أن يراعيه غير مُخل به إلى أن
يُعزَل عنه أو يُستردّ منه ، وقد دخل فِي عموم ما قلناه قول من
قال: اصبروا فِي أنفسكم ، وصابروا عدوكم ، ورابطوا الثغور.
وقول من قال: اصبروا بجوارحكم على الطاعة ، وصابروا
بقلوبكم مع الله ، ورابطوا بأسراركم فِي سبيل المحبة ، وقد نبّه