قوله تعالى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)
أصل الغًرِّ: الطيُّ الذي ينكسر عليه المطوي ، فجُعِلَ عبارة
عمن انطوى على اعتقاد يمنع عن رفع بصيرته ، ولذلك سُمي
الاعتمّاد طَوِية ، ونحو الغرِّ الاستدراج تشبيها بالمدرج ، ومن
هذا قال: (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) ؛ والتقلب فِي البلاد ليس يعني
المشي فيها ، وإنما يعني التوسع فِي أعراض الدنيا ،
والمتاع: ما فيه تمتع ما ، والآية تحتمل وجهين:
أحدهما: أن جعل ما يتمتع به فِي الدنيا وإن كَثُرَ.
قليلًا فِي جنب ثواب الله تعالى.
فلا يجب أن يُغتر به ، إذا اعتُبر بما يحصل
لأربابها فِي المآل من العذاب.
والثاني: أنه أراد بالقليل قلة الفناء.
وأراد بجهنم: جهنّم الدنيا وجهنّم الآخرة ، تنبيهاً أن من حصل
له مال لا ينفك من شُغلٍ لا ينقضى عناؤه ، وفقر لا يُدرك
غناؤه ، وحزنٍ على فوت محبوب ، وخوفٍ على فقد مطلوب.
كأنهم فِي جهنم من سَلْب ما لهم ، وفي جهنم عند مآلهم ، كما
قال: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
وذكر (الْمِهَادُ) على سبيل المثل ،
كقوله: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ) .
قوله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(198)
ذكره تعالى لـ (لَكِنِ) لكون حكم ما بعده منافياً لما قبله.
وقد ذكر فِي قوله: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)
الوجهان اللذان ذكرا فِي قوله: (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) . وقيل: عنى به أنهم من طيب عيشهم فِي القناعة.
ورفضهم فضولات الدنيا فِي جنّاتٍ صفتها كذلك.