و قال الزجاج: لَمَّا ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب في قوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 187] ذكر حال مَنْ آمَنَ مِنْ أهلِ الكتاب، وأخبر أنهم صَدَقُوا في حال خُشُوعٍ.
وقوله تعالى: {لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} أي: عَرَضًا مِنَ الدُّنياَ، كفعل اليهود الذين غَيَّروا التوراة بِثَمَن.
ومعنى: {سَرِيعُ الْحِسَابِ} - ههنا -: أنه لا يُؤخِّرُ الجزاءَ عَمَّن استحقه؛ لِطُول الحِسَابِ والاشتغال به؛ كما يتأخر لذلك الحقوقُ في الدنيا. ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله.
200 -وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا}
قال الحسن: اصبروا على دينكم فلا تَدَعُوه لِشِدّةٍ. وهذا اختيار الزجّاج.
وقال زيد بن أسلم: أي: على الجهاد. وهو اختيار ابن الأنباري.
وقال الفرّاء: {اصْبِرُوا} مع نَبِيِّكم، {وَصَابِرُوا} عدُوَّكم، فلا يكونن أصْبَرَ منكم.
{وَرَابِطُوا} ، أي: أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحُجَّةِ. قاله الزجّاج. وأصلُهُ - عند أهل اللغة -: مِن (مُرابَطَةِ الخَيْل) ، وهو ارتباطها بإيزاء العَدُوِّ في بعض الثُّغُور.
قال ابن قتيبة: أصل (المُرَابَطَةِ) و (الرِّباط) : أن يَرْبِطَ هؤلاء خيولَهم في الثَّغْرِ، وَيربط الكفارُ خيولَهم، كلٌّ يُعِدُّ لِصَاحبه، ثم سُمِّيَ المُقامُ بالثغور (رِباطًا) ؛ لوجود هذا المعنى.
وكلام ابن عباس - في رواية عطاء - يَدُلُّ على هذه الجملة، فإنه قال في قوله: {وَرَابِطُوا} يريد: عَدُوِّي وعدوَّكم. حتى يرجع عن دينه إلى دينكم.
وهذا اللفظ يتضمن معنى ملازمة الجهاد. وهذا قول أكثر أهل التفسير.