فقد جعل الله هذا الكون العظيم معرضاً جميلاً واسعاً .. تتجلى فيه عظمة الخالق .. وعظمه أسمائه وصفاته .. وعظمه أفعاله .. وعظمة مخلوقاته .. في معرض كوني كبير .. مفتوح طول الحياة لعموم البشرية .. يتجولون فيه فيزيد إيمانهم .. وتقوى عباداتهم.
فلا يحرم من نظر إلى ذلك وتأمله من الإيمان إلا محروم: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) } [الأنبياء: 30] .
إن الفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين، وإلى الاعتقاد بإله، وحين تصح وتستقيم، تجد في أعماقها اتجاهاً إلى إله واحد، وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد، وذلك مركوز في الفطر، يوقظه ويحييه ويزيده، النظر في الآيات
الكونيه، والآيات القرآنية.
ووظيفة العقيدة الصحيحة ليست إنشاء الشعور بالحاجة إلى إله والتوجه إليه، فهذا مركوز في الفطرة كما قال سبحانه: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10] .
إن وظيفة العقيدة الصحيحة .. هي تصحيح تصور الإنسان لإلهه .. وتعريفه بالإله الحق الذي لا إله غيره .. وتعريفه بأسمائه وصفاته .. لا تعريفه بوجوده وإثباته .. فلا شك في وجوده .. بل وجوده أظهر من أن يستدل عليه بدليل.
ثم تعريف العبد بمقتضيات الألوهية في حياته .. من شعائر تصله بمعبوده .. ومن شرائع تنظم منهج حياته .. ومن أخلاق تزين حياته.
ومن ثم ينسجم إذا أطاع مع الكون في الطاعة والعبادة.
والشك في حقيقة وجود الله أو إنكاره، هو بذاته دليل قاطع على اختلال بيًّن في عقل الإنسان، وعلى تعطل أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية فيه، ولذلك إنكار الرب قليل في العباد.
وإذا تعطلت أجهزة الاستقبال والتأمل والاستجابة في الإنسان، فلا سبيل إلى قلبه وعقله لإقناعه بالجدل والمناظرة، إنما يكون السبيل إلى علاجه هو محاولة تنبيه أجهزة الاستقبال والاستجابة فيه، واستجاشة كوامن الفطرة في كيانه، لعلها تتحرك وتسلك الصراط المستقيم.