إن القرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلوب والعقول، لتدبر ما في هذا الكون من العجائب والآيات، والبصائر والعبر.
إن هذه المخلوقات العظيمة الواسعة من الصور والأشكال .. والحركات والأحوال .. والمجيء والرواح .. والبقاء والفناء .. والحياة والممات .. والذبول والنماء .. والشروق والغروب .. والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل، التي لا تسكن ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار .. إن هذا كله ليستجيش كل خالجة في كيان الإنسان للتأمل والتدبر والتفكر.
فمتى يستيقظ القلب ويتفتح لمشاهدة الآيات العظام، المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه؟: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) } [يونس: 101] .
إن الإنسان لو وقف لحظة واحدة، يرقب ما خلق الله في السموات والأرض، ويستعرض هذه المخلوقات العظيمة التي لا تحصى، من الأنواع والأجناس،
والهيئات والأحوال، والأوضاع والأشكال، لو وقف لحظة واحدة، لامتلأ قلبه بالإيمان، وفاض بما يغنيه في حياته كلها، ويشغله بالتدبر والتفكر والتأثر ما عاش.
ولا يدرك هذا إلا أهل التقوى، التقوى التي تجعل القلوب سريعة التأثر، سريعة الاستجابة لخالق هذه المخلوقات كما قال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) } [آل عمران: 190] .
إن الله عزَّ وجلَّ العليم بما خلق، يخاطب الفطرة البشرية بآيات الله الكونية المبثوثة حول الإنسان في هذا الكون، والتي يعلم سبحانه أن بينها وبين فطرة الكائن البشري لغة مفهومة، وإيحاءات مسموعة، تؤدي إلى الإيمان بالله، وهذه من أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعاً.
أما الجدل فإنه لا يصل إلى القلب، ولا يتجاوز منطقة الذهن الباردة، التي لا تدفع إلى حركة، ولا تؤدي إلى بناء حياة.