ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحدة منهما إلا بمشقة، فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما، ولكن الناس لضعفهم، وتزيين الشيطان لهم، يؤثرون ما يفنى على ما يبقى لقلة المذكر كما قال سبحانه: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) } [الأعلى: 16، 17] .
والمحب الذي قد ملك المحبوب أفكار قلبه، لا يخرج فكره عن تعلقه بمحبوبه وهو ربه سبحانه، أو بنفسه.
وفكره في محبوبه لا يخرج عن حالين:
إحداهما: فكره في جمال الرب وجلاله، وأسمائه وصفاته.
الثانية: فكره في أفعاله وإحسانه، وبره ولطفه.
وإن تعلق فكره بنفسه فكذلك لم يخرج عن حالين:
فإما أن يفكر في أوصافه المسخوطة التي يبغضها محبوبه ويمقته عليها فيتجنبها، وإما أن يفكر في الصفات والأفعال والأخلاق التي تقربه منه، وتحببه إليه، لكي يتصف بها.
فالأوليان توجب له زيادة محبته لربه، وتعظيمه، والخضوع له.
والأخريان توجب له محبة محبوبه له، وإقباله عليه، وقربه منه، وعطفه عليه، وإيثاره على غيره، وإسعاده في الدنيا والآخرة ..
فالمحبة التامة مستلزمة لهذه الأفكار الأربعة.
ومجاري الفكر في صفات نفسه وأفعالها كثيرة، ويمكن حصرها في ستة أجناس:
الطاعات الظاهرة والباطنة، فيتفكر في معرفتها، وأدائها، وتحسينها، ودوامها، والإكثار منها، وترغيب الناس فيها.
والمعاصي الظاهرة والباطنة، فيتفكر كيف يعرفها، ويحذر منها، ويقلع عنها، ويتوب منها، ويحذر الناس منها.
والصفات والأخلاق الحميدة، يتفكر كيف يعرفها، ويتخلق بها، ويدعو الناس إليها، ليتجملوا بها.
والصفات والأخلاق السيئة، يتفكر كيف يعرفها، ويحذرها، ويحذر الناس منها.
وأما الفكر في أسماء الرب وصفاته، وفي أفعاله وأحكامه:
فتوجب له التمييز بين الإيمان والكفر .. والتوحيد والشرك .. ووصفه بما هو أهله من العزة والجبروت .. والكبرياء والعظمة .. والجلال والإكرام .. وتنزيهه عما لا يليق به.
وجماع ذلك الفقه في معاني أسماء الله وصفاته، وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر.