وروى أبو نعيم، والبيهقي في"الشعب"، والخطيب في"التاريخ"عن السري السقطي رحمه الله تعالى قال: قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق؛ أولئك يقولون: ماذا من الله سبق، وهؤلاء يقولون: بم يختم لنا.
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في"زوائد الزهد"عن مالك بن دينار قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام؛ لو أنَّ ابن آدم عمل بأعمال البر كلها حتى يبلغ عمله عنان السماء، وحبَّ في الله ليس، وبغضَ في الله ليس، ما أغنى عنه ذلك شيئًا.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (الرقة والبكاء) عن أبي عمران الجوني رحمه الله قال: لكل أعمال البر جزاء، وفي كلها خير إلا الدمعة تخرج من عين العبد ليس لها قيل ولا وزن حتى تطفا منها بحار من النيران.
وروى أبو نعيم عن أبي عبد الله الساجي رحمه الله قال: خصال لا يعبد الله بمثلها؛ لا تسأل إلا الله، ولا ترد شيئًا على الله، ولا تبخل بشيء على الله؛ فإنه من عرف الله، فقد بلغ الله.
قال: وقال سفيان الثوري رحمه الله: ليس من علامات الهدى شيء أبين من حبِّ لقاء الله، فإذا أحب العبد لقاء الله فقد تناهى في البر.
قال أبو نعيم في معنى قوله: ولا تبخل على الله: يعني: تمسك لله، وتعطي لله. انتهى.
وأما قوله: فإنه من عرف الله فقد بلغ الله؛ أي: وصل إليه؛ أراد أنَّ الوصول إلى الله في الدنيا هو الوصول إلى معرفتهِ سبحانه.
قلت: ولا شك أن نهاية البر في الدنيا معرفة الله، وفي الآخرة لقاؤه، وهما أطيب شيء في الدارين.
وروى ابن جهضم عن أبي الحسن عمرو بن عثمان الصَّدَفي قال:
أعمال البر كلها على وجهين؛ سر وعلانية، فمن لم يقدر على تصحيح النية فيما يعمل من السر كان فيما يعلن من عمله أبعد، ومن قدر على تصحيح النية في العلانية كان فيما يسر من عمله أقوى، ومن لم يقدر على تصحيح النية في القليل من العمل كان في الكثير منه أبعد.
وهذا موافق لما تقدم عن أبي عامر السكوني - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"تَمَامُ البِرِّ أَنْ تَعْمَلَ في السِّرِّ عَمَلَ العَلانِيَةِ".