واعلم أنَّ الله تعالى أمرنا في هذه الآية بالبر والتقوى، ولم يذكر ثوابهما فيها، وإنما ذكره في آيات أخر، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل: 128] .
قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في هذه الآية: اتقوا فيما نهاهم الله عنه، وأحسنوا فيما أمرهم الله به.
وهذا أعم مما رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: اتقوا فيما حرم الله عليهم، وأحسنوا فيما افترض الله عليهم.
وهو موافق لما ذكره القشيري في الآية السابقة.
والمراد بهذه المعية معية الكَلأَة والحفظ، بحيث يكون العبد بالله في حركاته وسكناته، لا معية القدرة المشار إليها في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [سورة الحديد: 4] ؛ فإنها قد تكون للإضلال والانتقام.
قال ممشاء الدينوري - رضي الله عنه: رأيت ملكا من الملائكة يقول لي: من
كان مع الله فهو هالك إلا رجلًا واحدًا، قلت: ومن هو؟ قال: من كان الله تعالى معه.
وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل: 128] .
فمن تشبه بالأبرار والمحسنين كان الله تعالى معه بالكلأة والحفظ والمعونة؛ لأنه كان مع الله بالبر والحفظ لحقوقه، فكان الله له في سائر أموره جزاءً وفاقا من جنس العمل {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [سورة الرحمن: 60] .
وقيل: ما جزاء من يحب إلا أن يُحب.
وقال الله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [سورة المائدة: 54] ، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة المائدة: 93] .
وروى الأصبهاني في"الترغيب"عن سليم بن أخضر قال: أردت السفر إلى مكة، فأتيت ابن عون لأودعه، فقال: يا سليم! اتقِ الله، وعليك بالإحسان؛ فإن المحسن معانٌ: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [سورة النحل: 128] .