واعلم أنَّ البكاء النافع الداعي إلى الرحمة هو البكاء من خشية الله، ومحله القلب، وقد يكون الباعث عليه رؤية الآثار بالبصر، أو سماع الأخبار والعبر، أو تذكر الأحوال والفكر، وهو من أعمال أفضل أعضاء البشر، ولها رابع وهو اللسان، وقد يكون عمله باعثًا على البكاء أيضًا، وسلطانها القلب، والثلاثة وزراؤه ونصراؤه، فإذا صلحت هذه الأربعة عمرت مدينة إنسانيته، وقد نهى الله تعالى ما دون اللسان منها إلى التلهي عن] ما خلق له، وعاتب أصحابها على إيقافها] عن أدائها بقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج: 46] .
روى البيهقي في"شعبه"، وغيره عن عبد الله بن جراد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ الأَعْمَى مَنْ يَعْمَى بَصَرُهُ، وَلَكِنَّ الأَعْمَى مَنْ"
تَعْمَى بَصِيرَتُه""
وقد تبيَّن أن اللسان والسمع والبصر لا فائدة للإنسان فيها إلا إذا توافقت مع القلب الصالح، وإلا شارك فيها البهائم وصار من أهل النار.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [سورة الأعراف: 179] .
فَصْلٌ
أولو الألباب من الأولياء والصالحين على قسمين: صديقون، وأبرار.
فإما الصديقون، فهم الذين لا يريدون من الله غيره، وسيأتي الكلام على أخلاقهم، وهم أشرف الأولياء، وأكمل الصالحين، وأعقل أولي الألباب.
وأمَّا الأبرار فهم الذين لا يريدون من غيره شيئًا، ولكن يريدونه، ويريدون منه ثوابه المعدَّ لهم في الآخرة، وهي إرادة محمودة لقوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [سورة الإسراء: 19] .