فشمر إليه؛ الوَحَاءَ الوَحَا، النجاء النجاء، على ما تعرجون أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معا، رحم الله عبدًا جعل العيش عيشا واحدًا، وأكل كسرة، ولبس خرقًا, ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة، حتى يأتيَه أجله وهو على ذلك.
ومعنى قوله: جعل العيش عيشًا واحدًا؛ أي: لم يلتفت إلا إلى عيش واحد وهو عيش الآخرة؛ إذ لا عيش إلا عيش الآخرة، كما في الحديث.
وقوله: وكل كسرة، ولبس خَلِقًا؛ أي: أكل ما وجد ولو كسرة، ولبس ما وجد ولو خَلِقًا؛ أي: لم يتقيد في طعام أو لباس بهوى نفسه، بل يكتفي بالميسور.
وقوله: ولزق بالأرض معناه: ترك السعي في طلب الدنيا، والتأنق في تحصيل ملاذها بحيث لا يهتم بشيء منها، بل يكون اهتمامه واجتهاده فيما خلق له من العبادة.
وبكى على خطيئته، وهرب من موجبات العقوبة، وابتغى الرحمة من الله تعالى من مظانها؛ ومن أهم مظانها البكاء على الخطيئة، والخوف من العقوبة.
قال الحسن: إن البكاء داع إلى الرحمة.
وقال أبو حازم رحمه الله: بلغنا أن البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة.
وقال محمَّد بن واسع رحمه الله: بلغنا أن الباكي مرحوم.
وقال الحسن رحمه الله: بلغنا أنَّ الباكي من خشية الله مرحوم يوم القيامة.
وقال فرقد السبخي: قرأت في بعض الكتب: قل للبكائين من خشية الله عز وجل: أبشروا؛ فإنكم أول من تنزل عليه الرحمة إذا نزلت.
وقال رشدين بن سعد عن بعض أصحابه: قرأت في بعض الكتب: قل للمريدين من عبادي فليجالسوا البكائين من خشيتي؛ لعلي أصيبهم برحمتي إذا أنا رحمت البكائين.
وقال الحسن: لو بكى عبد من خشية الله عز وجل لرحم من حوله ولو
كانوا عشرين ألفًا.
وقال هو، وشهر بن حوشب رحمهما الله تعالى: لو أنَّ عبدًا بكى في ملأ من الناس لرحموا ببكائه.
روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتاب"الرقة والبكاء".