فيه إشارة إلى أن ذوي الألباب هم المقصودون بالهداية والذكرى، وكأن الكتب لم يكن مطلوب بها حقيقة إلا هؤلاء، وقد علمت أنهم هم المتقون، فتوافقت هذه الآية هي وقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 2] الآيات، فهؤلاء قوم صلحت قلوبهم، فصلحت لقبول الحكم القرآنية والمعارف الربانية بما تحنن الله عليهم وعطف، ونظر إليهم ولطف.
ولقد سبق قوله - صلى الله عليه وسلم:"أَلا إِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه".
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَانَ لَهُ قَلْب صالح تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ، وإِذَا تَحَنَّنَ اللهُ عَلى قَلبِ عَبدٍ، حَنَّنَهُ لِلأَعمَالِ الصَّالِحَةِ، وَحَبَّبها إِلَيْهِ".
ولقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأوصاف الصالحين، فقال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} إلى قوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [سورة آل عمران: 190 - 195] .
وصفهم سبحانه وتعالى بالذكر وملازمته في سائر الأحوال، والفكر في مخلوقات الله تعالى، والمعرفة بأنه سبحانه لم يخلق شيئًا باطلًا، والتسبيح والاستعاذة من النار، والإيمان بأمور الآخرة التي منها عذاب النار، وسؤال الله الوقاية منها، وأنَّ دخولها هو الخزي، وأنَّ الظالم هو المخذول يوم القيامة لا أنصار له، وحسن الاستماع، وسؤال الله المغفرة، وتكفير السيئات، والثناء على الأبرار، وطلب اللحاق بهم، والجهاد في سبيل الله تعالى، والهجرة، واحتمال الأذى في ذات الله، والرغبة في الشهادة؛ وكل ذلك من خواص أعمال الصالحين وأخلاقهم.
ثم بين الله تعالى أنه يستجيب لهم بقوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [سورة آل عمران: 195] الآية.