وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ صَحِيحَةٌ وُجُوهُهُمَا، مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْإِسْلَامِ، غَيْرَ مُخْتَلِفَتَيِ الْمَعَانِي، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَبَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا: (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ) بِالْيَاءِ جَمِيعًا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ: {فَنَبَذُوهُ} أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ عَلَى سَبِيلِ قَوْلِهِ: {فَنَبَذَوهُ} حَتَّى يَكُونَ مُتَّسِقًا كُلُّهُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَمِثَالٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْخِطَابِ لَكَانَ أَنْ يُقَالَ: فَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ: فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} فَإِنَّهُ مَثَلٌ لِتَضْيِيعِهِمُ الْقِيَامَ بِالْمِيثَاقِ، وَتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ.
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «إِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَقْرَءُونَهُ إِنَّمَا نَبَذُوا الْعَمَلَ بِهِ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ {وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا مِنْ أَخْذِهِمْ مَا أَخَذُوا عَلَى كِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ وَتَحْرِيفِهِمُ الْكِتَابَ
عَنِ السُّدِّيِّ: {وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} «أَخَذُوا طُمْعًا، وَكَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
وَقَوْلُهُ: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}
يَقُولُ: فَبِئْسَ الشِّرَاءُ يَشْتَرُونَ فِي تَضْيِيعِهِمُ الْمِيثَاقَ وَتَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) }