يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاذْكُرْ أَيْضًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ، لَيُبَيِّنُنَّ لِلنَّاسِ أَمْرَكَ الَّذِي أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ عَلَى بَيَانِهِ لِلنَّاسِ فِي كِتَابِهِمُ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَأَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ بِالْحَقِّ، وَلَا يَكْتُمُونَهُ، {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}
يَقُولُ فَتَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ وَضَيَّعُوهُ، وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَكَتَمُوا أَمْرَكَ، وَكَذَّبُوا بِكَ {وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}
يَقُولُ وَابْتَاعُوا بِكِتْمَانِهِمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ مِنْ أَمْرِ نُبُوَّتِكَ، عِوَضًا مِنْهُ، خَسِيسًا قَلِيلًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، ثُمَّ ذَمَّ جَلَّ ثَنَاؤهُ شِرَاءَهُم مَّا اشْتَرُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا الْيَهُودُ خَاصَّةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ كُلُّ مَنْ أُوتِيَ عِلْمًا بِأَمْرِ الدِّينِ
عَنْ قَتَادَةَ:"هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ، فَإِنَّ كِتْمَانَ الْعِلْمِ هَلَكَةٌ، وَلَا يَتَكَلَّفَنَّ رَجُلٌ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، كَانَ يُقَالُ: مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُقَالُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَمَثَلُ حِكْمَةٍ لَا تَخْرُجُ كَمَثَلِ صَنَمٍ قَائِمٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ"
وَكَانَ يُقَالُ: طُوبَى لِعَالِمٍ نَاطِقٍ، وَطُوبَى لِمُسْتَمِعٍ وَاعٍ. هَذَا رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَعَلَّمَهُ وَبَذَلَهُ وَدَعَا إِلَيْهِ، وَرَجُلٌ سَمِعَ خَيْرًا فَحَفِظَهُ وَوَعَاهُ، وَانْتَفَعَ بِهِ.