وإذا ثبت ذلك، وكان العالم مشتمل على حي عاقل مبين، وعلى أحياء لا تفعل ولا تبين وجماد، لم يجز أن يكون ما يقل مخلوقاً لما لا يعقل، لأن العاقل أفضل وأشرف من غير العاقل، فلا يجوز أن يكون العاقل الحكيم خلق الأشرف للإدراك والأفضل الأنقص، لأن ما كان مخلوقاً لغيره كان المخلوق له هو الغالب عليه إذا كان سبباً لوجود ما خلق له.
ولا يجوز أن يكون الأنقص غالباً على الأفضل، ولأن ما لا يعقل إذا لم يعلم معاني نفسه استحال أن يعلم معاني غيره، وإذا لم يعقلها ذهب خلق غيره له هدراً، وكان فعل ذلك مناقضاً للحكمة.
فثبت أن ما لا يعقل مخلوق لمن يعقل، وذلك أن ينتفع بكل شيء منه على الوجه الذي يصلح له، والإعتبار يجمعها كلها، لأنه ما من شيء إلا وفيه الدليل على الفاعل القديم المبدع الحي القادر العالم الحكيم، ثم يكون وراء ذلك في شيء منفعة الأكل وفي آخر منفعة الركوب، وفي آخر منفعة الحمل عليه إلى غير ذلك مما يكثر عده، ثم الذي يعقل مخلوق ليعلم ما يقع العلم به على حسب العلم الواقع له.
قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} والعلم بهذه المحسوسات إنما يقع له بالاستدلال والنظر، وأصلهما التفكر المشار إليه بقوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ} وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
وقوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فثبت بذلك أن حفظ الإيمان بإدامة التفكر والنظر في الآيات والفكر ليرسخ في القلب منه ما علق به، ويزداد على الأيات تأكداً بازدياد الشواهد التي تدرك بالفكر ووضوحها على الأيام، من أحق الأمور بصرف الهمم إليه، والعكوف في أكثر الأوقات إليه، وبالله التوفيق.
(فصل)
فأما ما وراء إثبات الصانع جل جلاله من التوحيد والتقديس، فإن دلائل التوحيد كثيرة، فمنها ما يستدل به على أنه لا قديم سواه، ومنها ما يستدل به على أن لا إله سواه.
فأما أنه لا قديم سواه، فإن الكلام فيه مع الذين يثبتون نفساً قديمة ومادة قديمة.
والذي حملهم على هذا استنكارهم حدوث شيء لا من شيء ، فقد تقدم القول على هذا، وما يقربه ويثبته ما فيه كفاية.