وقد قلتم: إنها ما لم تخرج إلى حقيقة الوجود، وهي التي تسمونه الوجود بالفعل لم تقبل الخلق والتركيب فثبت أن الباري جل ثناؤه أخرجها - عند تركيب ما ركب فيها - إلى حقيقة الوجود، وليس قبل ذلك الإخراج إلا العدم.
فصح أنها كانت معدومة فأوجدها الباري وبالله التوفيق.
ويؤكد هذا اتفاقهم على أنها - قبل تركيب ما ركب منها - لا جسم ولا جوهر ولا عرض، وهو بعد التركيب جواهر وأجسام فثبت أن الباري هو الفاعل للجواهر جواهر كما أنه هو الفاعل للأجسام أجساماً، وأنها من قبل أن تكون جواهر لم تكن إلا عدماً، إذ لو كانت موجودة لا جوهراً ولا عرضاً، لكان موجوداً كذلك لنفسه، ولم يجز أن تتغير عن ذلك إلى حال يحدث له في نفسه، إذ القديم لا يتغير وبالله التوفيق.
فقال القائل: أليس الباري جل ثناؤه كان غير فاعل ففعل، ولم يستحل ذلك من حيث إنه قديم، فما أنكرتم أن المادة لم تكن جوهراً ولا عرضاً تصير جوهراً وعرضاً ولا يستحيل ذلك من حيث إنه قديم.
فالجواب: أن الباري - عز وجل - كان غير فاعل ففعل، وأفعل في غيره لا في نفسه، فلم يوجب ذلك، وإنما أوجب بغير المفعول.
والمادة التي تدعيها قديمة إذا لم تكن جوهراً فجعلها الله تعالى جوهراً.
فقد عبر بفعله الذي فعله فيها، نفسها.
والقديم لا يقبل فعلاً لفاعل ولا يتغير، فإنه لو جاز عليه أن يتغير لجاز أن يقدم هذا ما شاء وبالله التوفيق.
(فصل)
وكل ما ثبت من حدث السماء والأرض فهو دليل على أن لهما محدثاً لا يجوز أن يكون حدثاً اتفاقاً.
فإنه لو جاز أن تحدث السماوات والأرضون اتفاقاً، فلجاز أن يزداد كوكبه ويزداد جبل في الأرض اتفاقاً.
ولئن جاز أن يحدث اتفاقاً.
ولئن جاز أن يحدث اتفاقاً فلجاز أن يعدم اتفاقاً.
وليجز أن يحدث الإنسان اتفاقاً، وليجز أن يحدث عنهما أخرى اتفاقاً دون هذه السماء.
فإذا كانت إجادة كل شيء مما ذكرنا تجاهلاً، كانت إجازة أن تكون السماوات والأرضون على ما هما عليه من النظام والصنع الشديد المتفق حديث اتفاقاً أولى بالتجاهل وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: أرأيتم لو قلب هذا عليكم، قال فقال: لو كان وجودها عن إحداث محدث وخلق خالق لجاز أن يوجد مثلهما أو شيء مما ذكرتم اليوم خلقاً له.
قيل له: ولا سؤالاً بها إذا كانت خلقاً لخالق فعلق وجودها بمشيئته، فإن شاء أحدث وخلق، وإن شاء لم يحدث ولم يخلق.