وَالْفرق بَين الْوَهم والخيال الْمَانِع لأكثر النُّفُوس من انتهاز الفرص بعد إمكانها وَبَين السَّبَب الْمَانِع حَقِيقَة فيشتغل بِهِ دون الأول فَمَا قطع العَبْد عَن كَمَاله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قَاطع أعظم من الْوَهم الْغَالِب على النَّفس والخيال الَّذِي هُوَ مركبها بل بحرها الَّذِي لَا تنفك سابحة فِيهِ، وَإِنَّمَا يقطع هَذَا الْعَارِض بفكرة صَحِيحَة وعزم صَادِق يُمَيّز بِهِ بَين الْوَهم والحقيقة، وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي عواقب الأمور وَتجَاوز فكره مباديها وَضعهَا موَاضعهَا وَعلم مراتبها فَإِذا ورد عَلَيْهِ وَارِد الذَّنب والشهوة فَتَجَاوز فكره لذته وَفَرح النَّفس بِهِ إلى سوء عاقبته وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الألم والحزن الَّذِي لَا يُقَاوم تِلْكَ اللَّذَّة والفرحة وَمن فكر فِي ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يكَاد يقدم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِذا ورد على قلبه وَارِد الرَّاحَة والدعة والكسل والتقاعد عَن مشقة الطَّاعَات وتعبها حَتَّى عبر بفكره إلى مَا يترب عَلَيْهَا من اللَّذَّات والخيرات والأفراح الَّتِي تغمر تِلْكَ الآلام الَّتِي فِي مباديها بِالنِّسْبَةِ إلى كَمَال عواقبها وَكلما غاص فكره فِي ذَلِك اشْتَدَّ طلبه لَهَا وَسَهل عَلَيْهِ معاناتها اسْتَقْبلهَا بنشاط وَقُوَّة وعزيمة وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي مُنْتَهى مَا يستعبده من المَال والجاه والصور وَنظر إلى غَايَة ذَلِك بِعَين فكره اسْتَحى من عقله وَنَفسه أن يكون عبدا لذَلِك كَمَا قيل:
لَو فكر العاشق فِي مُنْتَهى ... حسن الَّذِي يسبيه لم يسبه
وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي آخر الأطعمة المفتخرة الَّتِي تفانت عَلَيْهَا نفوس اشباه الأنعام وَمَا يصير أمرها إليه عِنْد خُرُوجهَا ارْتَفَعت همته عَن صرفهَا إلى الاعتناء بهَا وَجعلهَا معبود قلبه الَّذِي إليه يتَوَجَّه وَله يرضى ويغضب وَيسْعَى ويكدح ويوالي ويعادي كَمَا جَاءَ فِي الْمسند عَن النَّبِي أنه قَالَ
"إِن الله جعل طَعَام ابْن آدم مثل الدُّنْيَا وَإِن قزحه ملحه فَإِنَّهُ يعلم إلى مَا يصير"
أوْ كَمَا قَالَ.
فَإِذا وَقع فكره على عَاقِبَة ذَلِك وَآخر أمره وَكَانَت نَفسه حرَّة أبيه ربابها أن يَجْعَلهَا عبدا لما آخِره أنتن شَيْء وأخبثه وأفحشه.