أَحْوَال النَّاس وَمَا جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذَلِك من فكر النُّفُوس المبطلة الفارغة من الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة وَمِنْهَا الْفِكر فِي دقائق الْحِيَل وَالْمَكْر الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى أغراضه وهواه مُبَاحَة كَانَت أَو مُحرمَة وَمِنْهَا الْفِكر فِي أَنْوَاع الشّعْر وصروفه وأفانينه فِي الْمَدْح والهجاء والغزل والمراثي وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يشغل الْإِنْسَان عَن الْفِكر فِيمَا فِيهِ سعادته وحياته الدائمة وَمِنْهَا الْفِكر فِي المقدرات الذهنية الَّتِي لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج وَلَا بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَيْهَا ألْبَتَّةَ وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كل علم حَتَّى فِي علم الْفِقْه وَالْأُصُول والطب فَكل هَذِه الأفكار مضرّتها أرجح من مَنْفَعَتهَا ويكتفي فِي مضرّتها شغلها عَن الْفِكر فِيمَا هُوَ أولى بِهِ وأعود عَلَيْهِ بالنفع عَاجلا وآجلا.
(فصل)
عَن بعض السّلف أنه قَالَ تفكر سَاعَة خير من عبَادَة سِتِّينَ سنة
وسأل رجل أم الدَّرْدَاء بعد مَوته عَن عِبَادَته فَقَالَت كَانَ نَهَاره أجمعه فِي بادية التفكر.
وَقَالَ الْحسن تفكر سَاعَة خير من قيام لَيْلَة.
وَقَالَ الْفضل التفكر مرْآة تريك حَسَنَاتك وسيئاتك.
وَقيل لإبراهيم إِنَّك تطيل الفكرة؟ فَقَالَ الفكرة مخ الْعقل.
وَكَانَ سُفْيَان كثيرا مَا يتَمَثَّل:
إِذا الْمَرْء كَانَت لَهُ فكرة ... فَفِي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة
وَقَالَ الْحسن فِي قوله تَعَالَى: {سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأرض بِغَيْر الْحق}
قَالَ أمنعهم التفكر فِيهَا.
وَقَالَ بعض العارفين لَو طالعت قُلُوب الْمُتَّقِينَ بفكرها إلى مَا قدر فِي حجب الْغَيْب من خير الآخرة لم يَصْف لَهُم فِي الدُّنْيَا عَيْش وَلم تقر لَهُم فِيهَا عين.
وَقَالَ الْحسن طول الْوحدَة أتم للفكرة وَطول الفكرة دَلِيل على طَرِيق الْجنَّة.
وَقَالَ وهب مَا طَالَتْ فكرة احْدُ قطّ إلا علم وَمَا علم امْرُؤ قطّ إلا عمل
وَقَالَ عمر بن عبد العزيز الفكرة فِي نعم الله من أفضل الْعِبَادَة
وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك لبَعض أصحابه وَقد رَآهُ مفكرا ايْنَ بلغت قَالَ الصِّرَاط
وَقَالَ بشر لَو فكر النَّاس فِي عَظمَة الله مَا عصوه.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَكْعَتَانِ مقتصدتان فِي تفكر خير من قيام لَيْلَة بِلَا قلب