الأول: لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله: {سبحانك} تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أن ذلك باطل.
الثاني: أنه إنما يحسن وصل قوله: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير: ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من عصى ولم يطع ، فثبت أنا إذا فسرنا قوله: {وَمَا خَلَقْتُ هَذا باطلا} بما ذكرنا حسن هذا النظم ، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم.
الثالث: أنه تعالى ذكر هذا فِي آية أخرى فقال: {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ} [ص: 27] وقال فِي آية أخرى: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق} [الدخان: 38 ، 39] وقال فِي آية أخرى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً} [المؤمنون: 115] إلى قوله: {فتعالى الله الملك الحق} [المؤمنون: 116] أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثا ، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى.
والجواب: اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، وشاهده أن كل ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي فِي رجحانه إلى الواجب لذاته ، وليس فِي هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد ، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله.