والمعنى ربنا ما خلقت هذا المخلوق أو المتفكر فيه العظيم الشأن عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما ينبئ عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه العادمين من جناح النظر قداماه وخوافيه، بل خلقته مشتملاً على حكم جليلة منتظماً لمصالح عظيمة تقف الأفكار حسرى دون الإحاطة بها وتكل أقدام الأذهان دون الوقوف عليها بأسرها، ومن جملتها أن يكون مداراً لمعايش العباد ومناراً يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما نطقت به كتبك وجاءت به رسلك. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 4 صـ 160} . بتصرف يسير.
فصل
قال الفخر:
قالت المعتزلة: إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة، والمراد منها رعاية مصالح العباد، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السماوات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا، وذلك ضد هذه الآية قالوا: وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة: إن الله تعالى أراد بخلق السماوات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها، وذلك رد لهذه الآية، قالوا: وقوله: {سبحانك} تنزيه له عن خلقه لهما باطلا، وعن كل قبيح، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال: الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء، وخلق السماوات والأرض خلق متقن محكم، ألا ترى إلى قوله: {مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ} [الملك: 3] وقال: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً} [النبأ: 12] فكان المراد من قوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا} هذا المعنى، لا ما ذكره المعتزلة.
فإن قيل: هذا الوجه مدفوع بوجوه: