ومن قضية كونِ الأولِ أشرفَ من الثاني كونُ عملِه أيضاً أشرفَ من عملِه ، كيف لا ، ولا عملَ بدون معرفتِه تعالى التي هي أولُ الواجباتِ على العباد ، والغايةُ القُصوى من الخلق على ما نطَق به عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي ليعرفونِ كما أَعرَب عنه قولُه عليه الصلاة والسلام:"يقول الله تعالى:"كُنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأُعرف"وإنما طريقُها النظرُ والتفكرُ فيما ذُكر من شؤونه تعالى. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال:"لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض""
قالوا: وإنما كان ذلك التفكّرَ فِي أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام:"لا عبادةَ مثلُ التفكر"وقد عرفت أنه مستتبِعٌ لتحقيق ما جاءت به الشريعةُ الحقةُ ، وإلا لما فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} بقوله عليه الصلاة والسلام:"أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارم الله تعالى"فإن التورعَ عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفة الحلالِ والحرامِ المنوطةِ بالكتاب والسنة ، فحينئذ تتصادقُ الآياتُ التكوينيةُ وتتوافق الأدلةُ السمعيةُ والعقليةُ وهو السرُّ فِي نظم ما حُكي عن المتفكرين من الأمور المستدعِيةِ للإيمان بالشريعة فِي سلك نتيجةِ تفكُّرِهم كما ستقف عليه.