بسطحية راح أحد المستشرقين يردد: أيَنْعَى الله على الخلق ويعيب عليهم أن يعدلوا ؟ ذلك أنه لم يفهم المعنى الصحيح ، فالعدل هنا بمعنى العدول عن الحق أو الميل عنه. ويقول:
{أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَاهٌ مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] .
إنه سبحانه الذي خلق الأرض ومن خلالها الأنهار وجعل فيها الجبال الرواسي ، ويوضح الحق سبب وجود الجبال الرواسي فِي موقع آخر من القرآن الكريم:
{قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} [فصلت: 10] .
فلماذا باركت يا الله ؟ بارك الله فِي الجبال وقدر فيها أقواتها ، فالقوت هو ما يُنتفع به فِي استبقاء الحياة. ونعرف أن القوت يؤخذ من الزرع ، والزرع ينمو دائماً فِي الأرض الخصبة ، وخصوبة الأرض تكون فِي الوديان ، والوادي هو المكان الذي يكون بين جبلين. ولماذا يكون الوادي خصباً بين جبلين ؟ لأن المطر حين ينزل من السماء ، إنما ينزل على الجبال ، والجبال كما تعرف معرضة لعوامل التعرية ، فالحرارة تأتي بعد البرودة ، والحرارة تجعل الأرض تمتد والبرودة ، تقبض المادة ، وما بين القبض والبسط يحدث للجبال التشقق السطحي. وعندما ينزل المطر فهو يجرف هذه التشققات ، فتنزل من قمة الجبل بقوة الدفع لتصير جسيمات ناعمة ، ونسميها نحن الغِرْين أو الطمى ، كالذي كان يأتي لنا من الحبشة ، والذي أحدث خصوبة وادي النيل.