والآية - وإن نزلت توبيخا وتهديداً ووعيدا لأهل الكتاب، على كتمانهم العلم، وعدم بيان الحق لأغراض دنيوية - ففيها تحذير ضمني للعلماء عن أن يسلكوا سبيلهم، فيحل بهم مثل عقابهم. وقد جاء ذلك - صراحة - في قوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بلِجًامٍ مِنْ نَارٍ"
عن علي رضي الله عنه: ما أخذ الله العهد على أهل الجهل أَن يتعلموا حتى أخذه على أهل العلم أن يعلموا.
وعن محمَّد بن كعب: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه. ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل.
والإتيان بقوله: (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) بعد قوله: (لَتبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) - مع أنه يستلزم عدم الكتمان - للمبالغة في إيجاب التبيين، وتأكيد وجوب الامتثال.
والتعبير عن إيثارهم عرض الدنيا، على بيان الكتاب بقوله: {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} : أي عرضاً حقيراً - مع أنه لا شراءَ ولا بيع - للإيذان بأنهم جعلوا دين الله موردًا للرزق، ووسيلة إلى مآربهم الذاتية. كما يصل التجار. ولم يجعلوهُ سبيلا للهداية والإرشاد، كما يفعل العلماءُ والصالحون الصادقون. وذلك شاهد على فساد ضمائرهم، وداعٍ إلى عدم الثقة بأقوالهم وأفعالهم، والبعد عن تصديقهم.
{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) } .
المفردات:
(يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) : يفرحون بما جاءوا به نفاقاً أو رياءً، من الأقوال والأفعال.
(بمفازة من العذاب) : بمنجاة منه.
(ملك السماوات والأرض) : سلطان عليهما خَلقًا ومُلكًا وتدبيراً وتصرفاً.
التفسير
188 - {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} :
لا يزال الكلام موصولا مع أهل الكتاب: فالآية نازلة فيهم: