أي: ولله مآل السماوات والأرض ومن فيها. فمصير هذه الدنيا إلى زوال. ثم يستقبل الخلائق - بعد ذلك - حساباً على ما قدموا من أعمال {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ومن كان أمرهم إلى ذلك، فلا يصح لهم أن يبخلوا ببذل المال، فيما شرعه الله من وجوه البر والإحسان، فيندموا بتقصيرهم فيما ينفعهم، وحرمانهم من له حق عليهم.
{وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} :
فلا يغيب عن علمه من أحسن ومن أساء. فيجزي كلاًّ على ما عمله أعمالهم.
{لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) }
التفسير
181 - {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... } الآية.
لما حثَّ الله المسلمين على البذل، ونهاهم عن البخل: الذي هو من ألزم الصفات القبيحة لليهود - أتبع ذلك الحديث عن اليهود، وبخلهم، وبعض آثامهم.
سبب النزول:
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قول الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض. فنزلت هذه الآية.
وروى البغوي في معالم التنزيل، عن عكرمة والسدي ومقاتل: أنه - صلى الله عليه وسلم -، كتب مع أبي بكر رضي الله عنه، إلى يهود بني قينقاع: يدعوهم إلى الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً. فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر رضي الله عنه، في وجهه، وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد، لضربت عنقك. فشكاه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجحد ما قاله. فنزلت.
والمعنى: لقد علم الله قول اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء: مجترئين - بهذا القول الشنيع - على من لا تنفد خزائنه.