فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَى الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ ، وَيَنَالُ الْحُظْوَةَ عِنْدَهُمْ لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِ ، وَلَا بِدِينِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ - فَأَصْحَابُ الْجَرَائِدِ أَوْلَى بِعَدَمِ الثِّقَةِ بِأَخْبَارِهِمْ ، وَآرَائِهِمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ . وَأَنَّى لِلْعَوَامِّ الْمَسَاكِينِ فَهْمُ هَذَا وَإِدْرَاكُ سِرِّهِ وَالْجَهْلُ غَالِبٌ ، وَالْغِشُّ رَائِجٌ ، وَالنَّاصِحُ الْمُخْلِصُ نَادِرٌ ؟ وَقَدْ صَارَتْ حَاجَةُ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الْمُسْتَبِدِّينَ إِلَى حَمْدِ الْجَرَائِدِ تُوَازِي حَاجَتَهُمْ إِلَى حَمْدِ رِجَالِ الدِّينِ فِي غِشِّ الْأُمَّةِ ، أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا ; وَلِذَلِكَ يُغْدِقُونَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ ، وَيُقَرِّبُونَهُمْ ، وَيُحَلُّونَهُمْ بِالرُّتَبِ ، وَشَارَاتِ الشَّرَفِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْأَوْسِمَةِ ، أَوِ النَّيَاشِينِ ، كَمَا يَحْرِصُ عَلَى إِرْضَائِهِمْ كُلُّ مُحِبِّي الشُّهْرَةِ بِالْبَاطِلِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ ، وَالْوُجَهَاءِ .