وَمن عَلامَة معرفَة الْآخِرَة هيجان الرَّغْبَة فِيهَا وَشدَّة الشوق إليها والأنس بِكَثْرَة ذكرهَا ومؤانسة من صدق فِي الْعَمَل لَهَا
وَمن عَلامَة الْعقل حسن التَّدْبِير وَوضع الأشياء موَاضعهَا من القَوْل وَالْفِعْل وتصديق ذَلِك إيثار الأكثر على الأقل
وَمن عَلامَة الْعدْل ألا تجْعَل الحكم حكمين فتحكم لنَفسك بِحكم وَلِلنَّاسِ بآخر حَتَّى يكون الحكم فِي نَفسك وَفِي غَيرهَا حكما وَاحِدًا وإنصاف النَّاس من نَفسك.
وَمن عَلامَة التَّوَاضُع ألا يَدْعُوك أحد إلى حق إلا قبلته وَلم ترده، وَلَا ترى أحدا من الْمُسلمين إلا رَأَيْت نَفسك دونه
وَالنَّاس يتفاضلون فِي الْمعرفَة بالإيثار وَالرِّضَا وَالشُّكْر وَالْحب والثقة.
وَالْخَوْف وَالْيَقِين وَالصَّبْر وأدنى الدَّرَجَات الصَّبْر وأكثرها كلهَا الْيَقِين
وَمن عَلامَة حسن الْخلق احْتِمَال الأذى فِي ذَات الله وكظم الغيظ وَكَثْرَة الْمُوَافقَة لأهل الْحق على الْحق وَالْمَغْفِرَة والتجافي عَن الزلة
وَمن عَلامَة سوء الْخلق كَثْرَة الْخلاف وَقلة الِاحْتِمَال
وَمن عَلامَة الألفة قلَّة الْخلاف وبذل الْمَعْرُوف
وعلامة الصدْق إرادة الله وَحده بِالْعَمَلِ وَالْقَوْل وَترك التزين وَحب ثَوَاب المخلوقين والصدق فِي الْمنطق
وأطيب الْعَيْش القناعة وَالْعلم خشيَة الله وَهِي إيثار الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَمَعْرِفَة الطَّرِيق إلى الله
وَصَلَاح الْقلب الرأفة والرقة وَفَسَاد الْقلب الْقَسْوَة والغلظة
وألذ الْعَيْش الأنس بِاللَّه
والأنس اجْتِمَاع الهمة.
وأشر الشَّرّ الَّذِي لَا خير فِيهِ وَلَا قوام لخير مَعَه الْكبر وَخير الْخَيْر الَّذِي لَا شَرّ فِيهِ التَّوَاضُع وَهُوَ أن تضع نَفسك دون النَّاس
وَالْكبر أن ترفعها فَوق النَّاس وَمَا خير لعبد آثر على التَّوَاضُع شَيْئا
والحزم الْفِرَار من كل مَوضِع فِيهِ محنة
وَالصَّبْر مُخَالفَة الْمحبَّة وَلَا يصعب مَعَ قُوَّة الصَّبْر شَيْء من الْعِبَادَة حَتَّى ترْتَفع من دَرَجَة الصَّبْر إلى دَرَجَة الْخَوْف ثمَّ من دَرَجَة الْخَوْف إلى دَرَجَة الْمحبَّة
وكما لَا يطيب لعبد شَيْء أعطيه من الدُّنْيَا إلا بالقنوع كَذَلِك لَا يطيب لَهُ عمل الْآخِرَة إلا بالخوف والمحبة فَإِذا صَار العَبْد إلى ذَلِك سَقَطت عَنهُ مُؤنَة الصَّبْر وتنعم بالخوف والشوق. انتهى انتهى {آداب النفوس، للحارث المحاسبي} ...