هذه أول مرحلة. ولا يتمادى فِي ارتكاب الذنب ، أما إذا تمادى وخلع على فعله النقيض وادّعى أنه قد أتى فعلاً حسناً حتى يناله مدح بدلاً من أن يناله ذم فذلك ذنب مركب ، ويحشره الله ضمن من قال فيهم: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ} .
والمفازة هي المكان الذي يظن الإنسان أن فيه نجاته ، أي أن فِي هذا المكان فوزاً له ، ويطلقون كلمة"مفازة"على الصحراء إطلاقا تفاؤلياً ، ولا يسمونها"مهلكة"لأن الذي كان يجوبها يهلك فسموها"مفازة"تفاؤلاً بأن الذي يسلكها يفوز ، أو أن الصحراء أرض مكشوفة ، وما دام الإنسان قد وصل إلى أرض مكشوفة فلن يصادف ما يخافه من حيوانات شرسة أو من وافدات ضارة كالحيّات ، أو من عدو راصد ، وفي ذلك فوز له ، لأنه تجنب هذه المخاطر ، إنه إن سار فِي الجبال والوديان فمن الممكن أن تستر عنه الوحوش المفترسة أو الهوام أو تستر عنه الذين يتتبعونه فلا يتوقاهم وقد يصيبونه بالأذى ، فإذا ما ذهب إلى الأرض المكشوفة نجا من كل هذا لأنه ينأى ويبتعد عنهم ، وتكون التسمية على حقيقتها ، ومن يرى أن الصحراء مهلكة فليعرف أنها سميت"مفازة"تفاؤلاً ، كما يسمون اللديغ الذي يلدغه الثعبان بـ"السليم".
ونحن فِي أعرافنا العادية نتفاءل فنضع للشيء اسما ضد مسماه تفاؤلاً بالاسم ، مثال ذلك: إذا كنت فِي ضيافة إنسان وقدم شراباً. قهوة مثلاً ، وبعد أن نشرب القهوة يأتي الخادم فيقول من قدم لك القهوة لخادمه: تعال"خذ المملوء"ولا يقول:"خذ الفارغ"وهذا لون من التفاؤل.