إنك كيف تأملت تجد روابط بمقدمة سورة البقرة، والمعاني الأكثر لصوقا بها من سورة البقرة. إن سورة آل عمران تشد المعنى المرتبط بمقدمة سورة البقرة إلى جزء في هذه المقدمة، ثم تفصل فيه، ثم تشد جزءا آخر، ثم تفصل فيه، وهكذا ضمن سياقها الخاص بها. فمثلا في سورة البقرة جاءت آية الكرسي ضمن سياقها وهي مبدوءة بقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ولذلك صلة بمقدمة سورة البقرة، سواء من حيث الإيمان بالغيب، أو إنزال الكتاب. وجاءت سورة آل عمران لتشد هذا المعنى إلى المقدمة فتفصل في ذلك، وبذلك بدأت السورة كما رأينا.
ولئن قصر تعبيرنا في موطن من هذا التفسير عن التدليل، فإن في مجموع ما سنذكره في هذا التفسير لدليلا - إن شاء الله - على صحة اتجاهنا.
هناك ارتباط بين الصبر والتقوى، لذلك رأينا من قبل في سورة آل عمران:
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ورأينا في هذه الفقرة:
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وهذا يؤكد الارتباط المباشر بين مقدمة سورة البقرة ومجموعة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ..
رأينا أن الصلة بين فقرات هذه المقطع واضحة، من حيث إن المقطع كله يصحح مفاهيم، وهو مرتبط بالمقطع السابق عليه، كذلك بهذا القاسم المشترك، وأما الصلة بين الفقرة التي مرت معنا، وبين بداية القسم الذي نهى عن طاعة أهل الكفر، ووعد المؤمنين بالرعاية والنصرة، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فمن حيث إنه أرانا مواقف للكافرين كل منها تقتضي ألا نطيعهم، ومن حيث إنه وطن أنفسنا على الكثير مما سنواجهه، فحمل الدعوة والاستقامة عليها، وكسب النصر في الله ليس سهلا، ولعل الصلة بين معاني الفقرة لا تخفى على المدقق، فأهل الكتاب بخلوا، والسبب هو الدنيا، وآذوا المسلمين، وكان المفروض أن يؤمنوا بما آمن به المسلمون لأن هذا مقتضى الميثاق المأخوذ عليهم بالبيان. والصلات في الفقرة أوسع وأعمق وأبعد.