فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ. أي: فنبذوا الميثاق ولم يراعوه، ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر، مثل في الطرح وترك الاعتداد. قال النسفي: وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب لنفوسهم، أو لجر منفعة، أو دفع أذية، أو لبخل في العلم.
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا. أي: اشتروا بهذا الكتمان عرضا يسيرا، والدنيا كلها عرض يسير. فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ. أي: فبئس الصفقة صفقتهم إذ باعوا العظيم بما لا يساوي شيئا.
فوائد:
1 -روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك» ، ثم تلا هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... إلى آخر الآية.
وروى ابن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه، فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إلا خرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى
يطوقه».
2 -قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً (سورة البقرة) قالت اليهود: يا محمد افتقر ربك فسأل القرض، فأنزل الله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ.