وعن سعيد بن جبير: إن هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ. لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. أي: لتختبرن في الأموال والأنفس، أما في الأموال فبما يقع بها من آفات، أو بما يصادر منها في سبيل الله، أو بما ينفق منها في سبيل الله، وأما في الأنفس، فبالقتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب. قال ابن كثير: أي لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله، أو نفسه، أو ولده، أو أهله، ويبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء. وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ. أي: اليهود
والنصارى، وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا. أي: كل الكافرين سوى اليهود والنصارى، والملحدون مشركون، إذ أعطوا الكون صفات الله من الخلق والإرادة والإحياء والإماتة، وجعلوا أنفسهم آلهتهم، أَذىً كَثِيراً كالطعن في الدين، وصد من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن ونحو ذلك. وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا مخالفة أمر الله فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. أي: فإن الصبر والتقوى من عزائم الأمور، أي: مما يجب العزم عليه من الأمور. خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد، والصبر عليها. حتى إذا كانت لقوها وهم مستعدون، لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ. أي: اذكر ذلك، ثم بين ماهية الميثاق لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ هذا هو الميثاق، بيان الكتاب، وعدم كتمانه. ومن الصيغة نفهم تأكيد إيجاب بيان الكتاب، واجتناب كتمانه، وكما أخذ عليهم الميثاق أخذ علينا. قال عليه السلام: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» .