ويخطئ الناس ويظنون أن الابتلاء فِي ذاته شرّ ، لا. إن الإبتلاء مجرد اختبار ، والاختبار عرضة أن تنجح فيه وأن ترسب ، فإذا قال الله:"لتبلون"، أي سأختبركم - ولله المثل الأعلى - كما يقول المدرس للتلميذ: سأمتحنك"فنبتليك"يعني نختبرك فِي الامتحان ، فهل معنى ذلك أن الابتلاء شرّ أو خير ؟. إنه شرّ على من لم يتقن التصرف. فالذي ينجح فِي البلاء فِي المال يقول: كله فائت ، وقلل الله مسئوليتي ، لأنه قد يكون عندي مال ولا أُحسن أداءه فِي مواقعه الشرعية ، فيكون المال عليّ فتنة. فالله قد أخذ مني المال كي لا يدخلني النار ، ولذلك قال فِي سورة"الفجر":
{فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16]
فهنا قضيتان اثنتان: الإنسان يأتيه المال فيقول: ربي أكرمني ، وهذا أفضل ممن جاء فيه قول الحق:
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} [القصص: 78]
إذن فالذي نظر إلى المال وظن أنّ الغني إكرام ، ونظر إلى الفقر والتضييق وظن انه إهانه ، هذا الإنسان لا يفطن إلى الحقيقة ، والحقيقة يقولها الحق:"كلا"أي أن هذا الظن غير صادق ؛ فلا المال دليل الكرامة ، ولا الفقر دليل الإهانة ، ولكن متى يكون المال دليل الكرامة ؟ يكون المال دليل كرامة إن جاءك وكنت موفقاً فِي أن تؤدي مطلوب المال عندك للمحتاج إليه ، وإن لم تؤد حق الله فالمال مذلة لك وإهانة ، فقد اكون غنياً لا أعطى الحق ، فالفقر فِي هذه الحالة أفضل ، ولذلك قال الله للاثنين:"كلا"، وذلك يعني: لا إعطاء المال دليل الكرامة ولا الفقر دليل الإهانة.