فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 92504 من 466147

جاءَ في كِتاب كليلةٍ ودمنة: وجدتُ مَثلَ الدُّنيا والمغرورِ بها، مع امتلائها بالآفات، مَثَلَ رجلٍ ألْجأهُ خوفُ فيلٍ هائجٍ إلى بِئرٍ، فتَدلَّى فيها وتَعلَّق بغُصنينِ نابِتينِ على شفيرِ البئر، فوقعت رجلاه على شيء في طيِّ البِئر، فَنَظر فإذا بحيَّاتٍ أربعٍ قدْ أطلعْنَ رُؤسَهُنّ من جُحورِهنَّ، ونظر إلى أسْفلِ البئرِ فإذا بتِنِّينٍ فاغرٍ فاهُ نَحْوَه، مُنتظرٍ له لِيقَعَ فيأخذَه، فرفع بَصره إلى الغُصنينِ فإذا في أصْلهما جُرَذان أسْودُ وأبيضُ، وهما يَقرِضانِ الغصنين دائبين لا يَفْتُرانِ، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمامِ لنفسه، إذْ أبصرَ قريباً منه كِوارةً فيها عسلُ نحلٍ؛ فذاق العسل؛ فشَغلَتْه حلاوتُهُ وألهتْهُ لذَّتُهُ عن الفكرة في شيء ٍ من أمره، وأن يلتمسَ الخلاصَ لنفسهِ؛ ولم يذَّكرْ أنَّ رجليه على حيَّاتٍ أربعٍ لا يدري متى يقع عَليهِنَّ، ولم يذَّكرْ أن الجُرذينِ دائبانِ في قطع الغُصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنِّين.

فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. فشَبَّهْتُ بالبئرِ الدُّنيا المملوءةَ آفاتٍ وشروراً، ومَخافاتٍ وعاهات، وشبَّهتُ بالحيَّات الأربعِ الأخلاطَ الأرْبعةَ التي في البدن: فإنّها متى هاجت أو أحدها كانت كَحُمة الأفاعي والسُّمِّ المُميت، وشبَّهتُ بالغُصنين الأجلَ الذي لابُدَّ من انقطاعهِ؛ وشبَّهتُ بالجُرذين الأسودِ والأبيضِ الليلَ والنهارَ اللذينِ هُما دائبانِ في إفناء الأجل؛ وشبَّهتُ بالتنينِ المصيرَ الذي لابُدَّ منه؛ وشبَّهتُ بالعسلِ هذه الحلاوةَ القليلةَ التي ينالُ منها الإنسان فيَطْعَمُ ويسمع ويَشمُّ ويَلْمسُ، ويتشاغلُ عن نفسه، ويلهو عن شأنه، ويُصَدُّ عن سبيلِ قَصْدِه...

(الدنيا تضرُّ مُحبّيها)

قالوا في ذلك: الدُّنيا تضرُّ محبّيها، وما كَرُمَت على أحدٍ نفسُه إلا هانت عليه الدُّنيا، وقالوا: أوحى اللهُ إلى الدُّنيا: أن اخْدُمي مَنْ جفاكِ واستخدمي مَنْ يهواك وهذا تمثيلٌ جميلٌ وحقٌّ وقال عمر بن عبد العزيز: الدُّنيا لا تضرُّ إلا مَنْ أمِنها ولا تنفع إلا مَنْ حَذِرها.

وقال الفاروق رضي اللهُ عنه: ما كانت الدُّنيا همَّ امْرئٍ إلا لَزِمَ قلبَه خصالٌ أربع: فقرٌ لا يُدْرك

غِناه، وهمٌّ لا ينقضي مَداه، وشُغلٌ لا يَنْفد أُوْلاه، وأملٌ لا يُدرك مُنْتهاه.

وقال الشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت