وقال بعضهم: لا يكون الحكيم حكيما حتى يعلم أن الحياة تسترقّه والموت يعتقه.
وقال الأخطل:
والناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وقال الجنيد: من كان حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه فتصعب عليه، ومن كان حياته بربّه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة.
من تمنّى الموت
قيل: شر من الموت ما إذا نزل تمنيت الموت لنزوله.
وقيل: خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة.
قال المهلبيّ:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن روح حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه
وقال المتنبّي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وقال الموسوي:
آها لنفس حبست في جلدي ... إن الأسير غرض بالقدّ
واعتل الشبلي ثم برأ فقال له بعض أصحابه: كيف أنت؟ فقال:
كلما قلت قد دنا حل قيدي ... قدموني وأوثقوا المسمارا
الحياة لا تملّ
قال بعض الحكماء: الحياة وإن طالت لا تمل وإنما يمل المرء تكاليف الحياة ولهذا فضّل قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
على قول لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
وقيل: إن الحياة لا تسأم وإنما تسأم تكاليفها، قال المتنبي:
ولذيذ الحياة أنفس في النفس ... وأشهى من أن يملّ وأحلى
وإذا الشيخ قال أف فما م ... لّ حياة وإنما الضّعف ملّا
آلة العيش صحّة وشباب ... فإذا ولّيا عن المرء ولّى
ودخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا. فقال: يا شيخ أيسرك أن تموت؟ فقال: لا والله. قال: لم؟ وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: نفى الشباب وشره وبقي الشيب وخيره، فأنا إذا قعدت ذكرت الله وإذا قمت حمدت الله فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان.
المستنكف أن يموت حتف أنفه
قال الشنفرى:
فلا تقبروني إنّ قبري محرّم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر
وقال بكر بن عبد العزيز:
إن موت الفراش ذلّ وعار ... وهو تحت السيوف فضل شريف
وإني لأستحسن قول أبي فراس بن حمدان:
متى ما يدن من أجلي كتابي ... أمت بين الأسنّة والأعنّة
وقال آخر:
فيا ربّ لا تجعل حياتي دنيئة ... ولا ميتتي يا ربّ بين النوائح
ولكن صريعا بين أرماح فتية ... طوال القنا من فوق أدهم قادح