فقالت مولاة له: إلى الله تعالى، فقال: أتتكلمين على غيري، وأنت تعيشين في مالي؟ أمحو اسمها وكتبها من الوصية.
وقيل للحطيئة: أوص يا أبا مليكة، قال: نعم أخبروا الشمّاخ أنه أشعر العرب، فقيل أوص للمساكين، فقال: أوصيهم بالإلحاف في المسألة، قيل: أعتق عبدك فلانا، قال: هو عبد ما بقي على ظهر الأرض وعتيق إذا صار في بطنها، فقيل: أوص فإن لك بنات قال:
مالي للذكور دون الإناث، فقالوا له: إن الله لم يقل كذا قال: إنا أقوله، قيل: فأوص للأيتام بشيء ، قال: كلوا أموالهم وانكحوا أمهاتهم. ثم قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط، وويل للشعر من رواة السوء.
وكان دريد بن الصمة قد عاش أربعمائة سنة فلما نزل به الموت قال لولده: أوصيكم بالناس شرا، طعنا لزا وضربا أزا، وإن أردتم المحاجزة فقبل المناجزة، أقصروا الأعنة وأطيلوا الأسنة وأرعوا الكلأ، ثم قال:
اليوم هيي لدريد بيته ... يا ربّ بهت حسن حويته
ومعصم ذي مرة لويته ... لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرني واحدا كفيته
قال إسماعيل بن قيس: دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقال: هل الدنيا إلا ما جربنا لوددت أني لا أقيم فيكم ثلاثا حتى ألقى الله، فقلنا: إلى رحمة الله.
فقال: إلى ما شاء الله. إني لم آل فيكم إذ وليتكم فإن الله لو كره أمرا غيّره.
قال ابن عيينة: هذا والله الاغترار، ألم تكن مقاتلته عليا وقتله حجرا وبيعته ليزيد مما يكره الله تعالى؟
من أحبّ الموت وذكر نفعه ومضرّته
قال عبد الله بن مسعود: ما من نفس حيّة إلا والموت خير لها إن كان برا فإن الله تعالى يقول: (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ)
وإن كان فاجرا فإن الله تعالى يقول: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) .
ولما حضر بشرا الموت فرح، فقيل له: تستبشر بالموت، فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي على مخلوق أخافه.
وقال بعضهم: لا يكره الموت إلا مريب.
وسئل فيلسوف عن الموت: فقال هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء.
وقال المتنبّي:
نعير حلاوات النفوس قلوبنا ... فنختار بعض العيش وهو حمام
وله:
وما الدهر أهل أن تؤمّل عنده ... حياة وأن تشتاق فيه إلى النّسل
وقال آخر:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف