و «أن» مع ما في حيِّزه ينوبُ عن المفعولَين، كقولِه: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ) [الفرقان: 44] ، وما مصدريةٌ، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءَنا خيرٌ، وكانَ حقُّها في قياسِ عِلْمِ الخطِّ أنْ تُكتَبَ مفصولةٌ. ولكنَّها وقعتْ في الإمامِ متَّصلةً؛ فلا تُخالَف، وتُتَّبَعُ سُنَّةُ الإمامِ في خطِّ المصاحف.
فإن قلت: كيفَ صحّ مجيءُ البَدَلِ ولم يُذْكَر إلا أحدُ المفعولَيْن، ولا يجوزُ الاقتصارُ بفعلِ الحسْبانِ على مفعول واحد؟ قلتُ: صحّ ذلك مِنْ حيثُ إنّ التعويلَ على البَدَلِ والمُبدَلِ منه في حُكمِ المنَحَّى، ألا تَراكَ تقول: جعلتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعضٍ،
ودخلت"أن"مؤكدة، وإذا فتحت صار المعنى: لا تحسبن الذين كفروا إملاءنا، وهو عندي: بدل من (الَّذِينَ) ، المعنى: لا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأها خلق كثير، ومثل هذا البدل قول الشاعر:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
أي: فما كان هلك قيس هلك واحد.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن تجعل"أن"وما عملت فيه بدلاً من (الَّذِينَ كَفَرُوا) بدل اشتمال، والجملة تسد مسد المفعولين.
قال السجاوندي: هذا كقولك: لا تحسبن زيداً أن علمه نافع له، تلخيصه: لا تحسبن علم زيد نافعاً له، فلم ينصف من خطأ حمزة في قراءته.
قوله: (جعلت متاعك بعضه فوق بعض) ."بعضه": بدل من"متاعك"، و"فوق": ثاني مفعولي"جعل"، أي: جعلت بعض متاعك فوق بعض، قيل: وإنما لم يجعله مفعولاً ثانياً لكون التقدير كون الإملاء خيراً لهم، فلا يصح حمله على (الَّذِينَ كَفَرُوا) ؛ لأنك لا تقول: إن