184 - {فَإِنْ كَذَّبُوكَ} يا محمَّد في أصل النبوة والشريعة بعد أن جئتَهم بالبينات الساطعة، والمعجزات الواضحة، والكتاب الهادي إلى سواء السبيل مع استنارة الحجة، والدليل {فـ} تسل يا محمَّد على تكذيبك، ولا تأس عليهم، ولا تحزن لعنادهم وكفرهم، ولا تعجب من فساد طويتهم، وعظيم تعنتهم فتلكَ سنة الله في خليقته؛ لأنه {قد كذب رسل من قبلك} ؛ أي: كذبتهم أممهم حينما {جَاءُوا} هم {بِالْبَيِّنَاتِ} ؛ أي: بالمعجزات الواضحات، {و} بـ {الزبر} ؛ أي: وبالصحف المشتملة على الترغيب، والترهيب، والزواجرَ، والعظات كصحف إبراهيم، وموسى، وغيرهما، والزبير: جمع زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرت الشيء إذا حبسته، وسمي الكتاب الذي فيه الحكمة زبورًا، لأنه يزبر عن الباطل، ويدعو إلى الحق {و} بـ {الكتاب المنير} ؛ أي: المضيء الذي أضاء،
وأنار سبيل النجاة، وهو التوراة، والزبور، والإنجيل، وإنما عطف الكتاب المنير على الزبر لشرفه، وفضله باشتماله على الأحكام.
والمعنى: فقد كذب رسل من قبلك جَاءُوا بمثل ما جئت من باهر المعجزات، وهزوا القلوبَ بالزواجر، والعظات، وأناروا بالكتاب سبيلَ النجاة، فلم يغن ذلك عنهم شيئًا، فصبروا على ما نالهم من الأذى، وما نالهم من السخرية، والاستهزاء، ذلك أسوة بهم. وفي هذا تسلية للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وبيان بأن طباع البشر في كل الأزمنة سواء، فمنهم من يتقبل الحق، ويقبل عليه بصدر رحب ونفس مطمئنة، ومنهم من يقاوم الحقَ، والداعي إليه ويسفه أحلام معتنقيه؛ فليس بالعجيب منهم أن يقاوموا دعوتك، ولا أن يفندوا حجتك، فإن نُفُوسَهم منصرفة عن طلب الحق، وتحري سبل الخير.